حملت خزيى وتوجهت نحو بيته ، عاقداً الأمل على أن ينظر إلىّ بعين رحمته وأن يسامحنى ، تجاهلت كل الشائعات السائرة فى المدينة ، الشائعات التى زادت من ألمى وأقلقتنى عليه .
اقرأ قصة السيد يحتضر
فى Endgame
21/05/2008
السيد يحتضر
03/05/2008
عرفة
26/04/2008
تهنئة عيد القيامة

(خطاب ملحق برواية آليس فى بلاد العجائب للكاتب لويس كارول)
أيها الطفل العزيز ، أريدك أن تتخيل قدر استطاعتك أنك تقرأ خطاباً حقيقياً من صديق حقيقى رأيته من قبل ، بحيث يكون صوته بادياً لك حتى تسمعه يتمنى لك ، كما أتمنى من كل قلبى ، عيد قيامة سعيد .
هل تعلم هذا الشعور الحالم الرائع عندما يستيقظ المرء فى نهار صيفى ، وهناك زقزقة العصافير فى الفضاء والنسيم العليل يدخل من نافذة مفتوحة ، حينما ينام المرء كسلاناً وعينيه نصف مغلقتين ، يرى - وكأنه فى حلم - الغصون الخضراء تتمايل والأمواج تترقرق تحت الضوء الذهبى ؟ ، هذا السرور الذى يقترب جداً من الحزن ، والذى يجلب الدموع لأعين الواحد مثل الصورة الرائعة أو القصيدة ، وهذه أليست يد الأم اللطيفة التى تسحب الستائر ، وصوتها الجميل يدعوك كى تستيقظ ؟ ، تستيقظ وتنسى فى الصباح المشرق ، هذه الأحلام المفزعة التى أخافتك جداً فى الظلام ، تستيقظ لتستمتع بيوم سعيد آخر ، وتنحنى لتشكر صديقنا غير المرئى الذى يبعث لنا الشمس الجميلة .
هل هذه كلمات غريبة على كاتب قصص مثل آليس ؟ وهل هذه كلمات غريبة لتجدها فى كتاب عبثى ؟ ربما كانت كذلك ، ربما يلومنى البعض لأننى أخلط بين الجد والهزل ، آخرون قد يبتسمون أويفكرون أنه غريب أن يتكلم أحد بوقار إلا فى الكنيسة يوم الأحد ، ولكنى لا أظن ذلك ، بل أنا متأكد أن بعض الأطفال سيقرأون ما أكتبه الآن ببساطة وبحب ، وبالروح التى أكتب بها .
لأنى لا أؤمن أن الله قصد أن يقسّم حياتنا إلى نصفين ، أى أن نرتدى وجهاً جاداً يوم الأحد ، وأن نعتقد أنه لا موضع حتى لنذكره فى بقية الأسبوع . هل تعتقد أنه لا يهتم سوى برؤية أبدان جاثية ، وأنه لا يسمع سوى أصوات الصلاة ، وأنه لا يحب رؤية الحملان تقفز فى ضوء الشمس ، وأن يسمع أصوات الأطفال المرحة وهم يركضون بين الحشائش؟ ، بالتأكيد ضحكهم البرئ عذب فى أذنيه مثل أعظم نشيد ذُكر فى الضوء الدينى المعتم لكاتدرائية عظيمة .
وأنا لو كتبت أى شيء لأضيفه لمنابع البراءة والمتعة تلك ، للأطفال الذين أحبهم جداً ، سيكون ذلك بالتأكيد شيئاً أرجو أن أنظر إليه بدون خجل وحزن (وكم فى الحياة سأتذكره!) عندما يحين دورى لأسير فى وادى الظلمات .
شمس عيد القيامة ستشرق عليك أيها الطفل العزيز ، أريدك أن تعيش الحياة بكل جوارحك ، وأن تسعى للانطلاق نحو هواء الصباح العليل . ستكون كثيرة هى أعياد القيامة التى ستأتى وتذهب قبل أن تجد نفسك ضعيفاً وأبيض الشعر ؛ تسير خارجاً بإرهاق لتتدفأ مرة أخرى فى ضوء الشمس . وسيكون جيداً لو فكرت من الآن ولبعض الوقت فى هذا النهار العظيم ، عندما تشرق شمس الصلاح والشفاء بأجنحتها .
ولكن لا عليك أن تقلل من سعادتك من جراء فكرة أنه فى يوم ما سيكون هناك فجر أكثر إشراقاً - عندما تقابلك مناظر بديعة أكثر جمالاً من تمايل الأشجار ورقرقة المياه ، عندما تسحب أيادى الملائكة الستائر ، وتوقظك أصوات أعذب من أصوات كل الأمهات المحبات ، من أجل يوم جديد ومجيد . ساعتها ستنسى كل الأحزان والخطايا التى لوثت هذه الأرض الصغيرة مثلما تنسى أحلام الليلة التى مضت .
صديقك المحب
لويس كارول
1878
23/04/2008
أربعة كتب أتمنى أن أكتب مثلها
خلال قراءتك للمسرحية سيحيلك الحوار إلى كم كبير من الفلسفات والأفكار الأدبية والدينية ، ستبهرك ثقافة هذا الأديب العظيم وستبهرك أكثر الكيفية التى استغل بها ثقافته وطريقة توظيفها فى المسرحية .
المدهش أن هذه الأفكار والفلسفات يقدمها الكاتب فى عمل كوميدى ، فى انتظار جودو أصلاً مسرحية هزلية ، ومن المنتظر أثناء القراءة أن تضحك من تصرفات المتشردين وعلاقاتهم بالأشياء ، ولكنك أثناء ضحكك ستكتشف أن هذه التصرفات ليست سوى تعبيرات عن أحوال إنسانية بائسة وشائعة ، تعرفها أنت جيداً وتعايشت معها ، مما يجعلك تشعر بالحزن ، وعندما تختلط لديك الرغبة فى الضحك بمشاعر الحزن ستبدأ بالتفكير .
عندما تقرأ فى انتظار جودو ستحتشد داخلك كل المشاعر الإنسانية الممكنة .
بعض المؤمنين يقولون أن عصر المعجزات انتهى ، ولكنى أرى أن (فى انتظار جودو) هى إحدى معجزات العصر الحديث .
لا يوجد روائى أخلص لبطله مثلما أخلص دوستويفسكى لراسكولنيكوف ، نجح دوستويفسكى فى سبر الشخصية بكل أبعادها ، ولم يأبه بأن يقضى – بذلك – على وحدة الشخصية بمعناها القديم ، ورغم ذلك فهو لم يحكم عليها وترك للقارئ القرار ليحدد هل راسكولنيكوف فيلسوف أم مضطرب ، طيب أم شرير ، عطوف أم كاره للبشر ؟
أثناء ذلك لا يتجاهل دوستويفسكى الصنعة والإثارة ، هو حريص على كتابة رواية ممتعة ، فهو يتحدث عن أحلام راسكولنيكوف على أنها وقائع حتى يثبت لنا ولراسكولنيكوف عكس ذلك ، وأيضاً طبيعة التحقيقات فى الجريمة التى كانت تتلاعب بأعصاب الشخصيات وأعصابنا أيضاً .
مع الجريمة والعقاب ، أنت تخرج من رأى فلسفى إلى تحليل نفسى إلى حيلة أدبية ، وتلهث ، لا من الإثارة الرخيصة ، ولكن من كل هذا الأدب .
فى الصيف الماضى شاهدت عرضاً روسياً تجريبياً مستوحى عن الرواية ، لا أجزم أننى استوعبته تماماً فأنا لا أعرف الروسية ، ولكننى عرفت من خلاله أن رواية الجريمة والعقاب لن تتوقف عن الإلهام .
لا يمكنك المراهنة على توقع الحدث القادم فى الرواية ، فى (آليس فى بلاد العجائب) كل شيء خيالى وساحر وغير منطقى ، كل شيء يتحول ، لا يوجد زمان ولا مكان ، والقواعد والثوابت التى تعلمتها آليس فى مجتمعها الأرستقراطى تتحول إلى فوضى وعبث وجنون .
آليس بطلة قصص الأطفال فى نهاية القرن التاسع عشر ليست ذكية ولا قادرة على مواجهة الشر أو دفع الخطر ، هى حتى لا تعرف إن كانت عاصمة بلدها لندن أم باريس ، لكن آليس لديها ميزة هامة واحدة ، أنها ذات خيال واسع ورائع .
استطاع لويس كارول أن يصنع من عالم آليس الصغير عوالم أخرى رائعة وفوضوية مستغلاً الأشياء الضيقة التى تعيش بينها آليس ، كالحديقة وأوراق اللعب وقطع الشطرنج والحيوانات المنزلية . كل هذا يتحول إلى عالم العجائب الذى قرأنا عنه .
فى الجزء الثانى من القصة ( آليس خلال المرآة ) تسيطر على سير القصة فكرة محددة ، وهى أن آليس عسكرى أبيض فى الشطرنج ومهمتها أن تصل إلى المربع الثامن حتى تتحول إلى ملكة queen ، حسب قانون الشطرنج ، ولكن السير فى هذه المربعات لا يخلو أيضاً من الأحداث العجيبة ، بالإضافة إلى التلاعب بالألفاظ والألغاز الرائعة والآخرى غير المفهومة التى يربكنا بها لويس كارول .
آليس فى بلاد العجائب لعبة ، وهى من أجمل الألعاب التى يمارسها القارئ .
لم أقرأ الليالى كلها ، قرأت حوالى ربعها من موقع الوراق ، أعرف أن هناك من المثقفين من مرضوا بالهوس بسبب الليالى ومنهم من قرأها بكل نسخها ، هذا الهوس امتد إلى الأوروبيين أيضاً ، لم أخض هذه التجربة ، ولكن ما لفت نظرى حين قرأت ألف ليلة وليلة هو جو عدم الثقة الذى يعيش فيه الأبطال ، فحبيبتك قد تكون جنية ، وسمك البحيرة قد يكون عالماً كاملاً مسحوراً ، وجارك قد يكون بطريقاً نصرانياً ( جاى يطلّع دين أمك ) . يمكننا أن نتخيل كم التوتر وضغط الأعصاب الذى كان يعيش فيه كاتب أو كتاب هذا النص . بالإضافة إلى الشكل الرائع والقصة داخل القصة ، (وابقى قابلنى لو افتكرت القصة الأساسية ) ، أنت بدأت فى القراءة فاستعد أن تغرق فى بحر الليالى والحكايات .
19/04/2008
موت الأم
لا أنسى فى هذه الرحلة أمى . أراها فى انتظارى فى تلك الليلة عند عودتى إلى البيت . تجلس على مقعدها الكبير إلى جوار السرير ، بينما ترقد الخادمة على الأرض مستغرقة فى النوم . كنت أعرف أن أمى لا تنام قبل أن تطمئن إلى عودتى وقبل أن تسألنى سؤالها التقليدى إن كان أخى سليمان قد كتب رسالة من الشام . فى الغالب لا تكون هناك أية رسالة ولكنى أطمئنها بأننى سمعت أنه هو وأولاده بخير . قبّلت كالعادة رأسها ويدها وسألتها إن كانت بحاجة إلى شيء . طلبت كوباً من الماء لأن قلبها لم يطاوعها أن توقظ الخادمة . وقبل أن أصل إلى باب الغرفة نبهتنى " من القلة البنى " ، ثم لاحقتنى و " فى الكوب النحاسى " ، ذهبت إلى الصالة حيث تضع القلل فى صينية على إفريز الشباك البحرى ، ورفعت القلة التى تبخرها دائماً بالمستكة وتغطيها بمفرش رقيق مخرّم والتى يبرد فيها الماء بالفعل أكثر من غيرها . صببت الماء فى الكوب النحاسى المزخرف بفروع نباتات ملوّنة ورجعت إلى الغرفة وفى نيتى أن أداعبها عن هذا الكوب الذى لا تشرب إلا منه لأن أبى أهداه لها ذات يوم . مرت دقيقة واحدة أو دقيقتان مع هذه الأشياء ، وعندما فتحت الباب والكوب فى يدى ، رأيت رأسها يميل على صدرها . اقتربت منادياً فلم تجبنى واكتشفت أنها انتهت
عشت شهرين عاجزاً عن فهم أى شيء ، أكرر لكل من يعزّينى ماحدث ما بين لحظة خروجى من الغرفة وعودتى إليها ، كأن هذه التفاصيل تنطوى على سر أو لغز يفسّر ما حدث وكنت أمشى مرتعش الساقين . لم أفهم ومازلت عاجزاً عن الفهم .
بهاء طاهر
واحة الغروب
أمى التى ظلت حبيسة الشقة لعامين وقد تكالبت عليها كل الأمراض والعلل ومشكلات شقيقتىّ .. كنت أتركها للجيران يرعونها ويهتمون بها .. وأعود ليلاً مترنحاً ومنتشياً وقبل أن أندس فى الفراش .. ألقى عليها نظرة واحدة من بعيد دون أن أجرؤ حتى على الاقتراب منها وتقبيلها .. أنظر من بعيد إلى انتظام تنفسها وإن كانت ستعيش يوماً آخر .. وأسمع صباح كل يوم صرير عجلات دراجتها المعاونة وهى تدخل المطبخ لتلتقط براد الشاى ثم تضعه على السبرتاية وتسخن لى شرائح الخبز إن لم يوجد بقسماط . وتنتظر حتى أنهى حمامى وتطمئن على أحوالى بالعمل وتوصينى على ابن جار لنا أعطيه درساً خصوصياً بالمجان بأوامر منها .. أو توصينى على شقيقتىّ وتطلب منى أن أساندهما ضد جشع زوجيهما . لم أسأل نفسى مطلقاً : كيف تقضى أمى يومها بين جدران البيت الباردة ؟ .. وكيف تتساند على أعمدة السرير كى تصعد ، ثم تنام ؟ كيف لم أصر على أن تعتنى بها خادمة مدربة ؟ وكيف انسقت وراء ادّعائها بأنها ليست فى حاجة إلى خادمة ؟ .. كنت بداخل عالمى المضبب ، أخوض فى ممراته المتشابكة .. إلى أن جاء يوم أيقظتنى فيه بصعوبة كالمعتاد وهى تنظر إلىّ نظرات لائمة .. ثم صبّت لى الشاى وأنا فى سريرى ونصحتنى بأن أحضر منبهاً لأنها لن توقظنى من الغد ، وأنها قد زهقت من تدليلى .. ثم حثت عجلتها منصرفة ..
بمجرد ما انتهيت من حصتى الأولى أرسلت المديرة فى طلبى .. عزتنى بأسى .. أدركت أن قضاء الله قد نفذ وأنها حقاً لن توقظنى بعد اليوم .. رفعت الملاءة البيضاء التى كانت ترقد تحتها بأمان . احتضنتها وقبلتها وقاومت الجيران الذين كانوا يدفعوننى بعيداً وهم يصرخون فى وجهى : حرام .. حرام
أحياناً كثيرة أتمنى أن أدفع عمرى له مقابل أن تعود إلى الحياة ولو ليلة واحدة .. أحملها فوق ظهرى وأطوف بها العالم
مكاوى سعيد
تغريدة البجعة

