هناك آراء واقتباسات تؤثر فيك وتضج فى رأسك ولا تتوقف عن ذلك ، منها اقتباس فرانسيس بيكون الذى ذكرته فى هذه المدونة أكثر من مرة ، عندما قرأت هذا الاقتباس للمرة الأولى لم أكن أعتقد أننى سأستفيد منه فى قراءة كتاب (فى علم الكتابة) لجاك ديريدا ، ولم أكن أعتقد أيضا أننى سأستفيد منه فى توضيح فكرة مهمة فى أساسيات الديانة الإريامية .
كان أفلاطون قد خلص إلى أن المعرفة هى نوع من التذكر ، وقد ضمّن هذه الفكرة فى محاورتيه (فيدون) و(مينون) ، هذا يعنى أن الإنسان يحمل فى نفسه الحقيقة كاملة ولكنه نسيها ، فكل ما يتعلمه بعد ذلك من الحقيقة يكون بمثابة تذكر .
وأثناء قراءتنا لكتاب جاك ديريدا وجدت أن الفيلسوف الفرنسى يركز على أن فكرة تذكر الحقيقة (بصفة عامة المفهوم اللانهائى) كانت فكرة سائدة طوال تاريخ الفلسفة ، وبغض النظر عن نقد ديريدا لذلك وربما أكون قد أوضحته فى التدوينة السابقة عن الكتاب ، خاصة أن اهتمامى بمناقشة كتاب ديريدا لا يعنى أننى مقتنع بكل كلمة يكتبها ، ففكرة التذكر التى سادت تاريخ الفلسفة (والأديان غير الأريامية أيضا) هى فكرة أساسية فى بنية الإريامية ، وسأحاول فى السطور التالية أن أشرح ذلك :
فى البدء (1) كان إريام يتعايش مع كائنات العالم ، وكان العالم يعرفه ، نحن نتصور (2) الإله إريام بشكل مزدوج ، فهو من جهة كان كائنا (مشخصا) وإن لم يكن كالكائنات (3) ، ومن جهة أخرى فهو كل أحد ، هو يملأ العالم وهو موجود فى كل شيء فيه .
نعم ، فالتصور الثانى عن إريام قريب من فكرة وحدة الوجود الشهيرة ، هذه على أية حال ليست إهانة ، بالعكس نحن فخورون بأن الهنود والمتصوفة المسلمين وأفلوطين ومعظم المسيحيين (بوعى أو بغير وعى) يؤمنون بهذه الفكرة ، فهذا يعنى أن كل هؤلاء اقتربوا من الحقيقة ومن التصور الإريامى .
نعود لفكرتى التذكر والنسيان ، إذن فقد كان هناك تعايش مع إريام فى عهد ما (لا يمكن تحديده زمنيا بدقة) ، ولكن ما حدث بعد ذلك هو عملية نسيان ميتافيزيقية مكثفة من قبل الكائنات ، أنا لا أستطيع أن أحسم سببها (4)
ولكن الصديق عماد (مختار هذا العصر) يؤكد أن التطورات البيولوجية للكائنات الحية – ومنها الطفرات العقلية ، الطفرات التى طرأت على مستوى الوعى – هى التى أدت لهذا النسيان ، وإريام كإله مهمل (5) لم يهتم بأن يقوم بنفسه بالتذكير المستمر ، ولكن – رغم ذلك – ظل هناك طوال الوقت كائن حى واحد على الأقل يتعامل مع الإله إريام بشكل مباشر ، ومن بداية ظهور الإنسان فدائما هناك إنسان واحد مختار من قبل إريام فى كل عصر ليحافظ على بقاء الفكرة الأساسية (الحقيقة) داخل العالم (6).
إذن فمهمتنا الراهنة كإرياميين – وإن كنا متوقفين عن ممارسة ذلك إجرائيا حاليا – هى ممارسة عملية التذكير الميتافيزيقى للبشر ، بل ولكل العالم ، بحيث يعرف كل العالم حقيقة محايثة إريام وأساسيته فى الوجود . -----------------
(1) هذه كلمة شائكة ، أعترف بذلك ، فهناك وفقا للإريامية أكثر من بدء : - البدء الإلهى حيث كان إريام وليس هناك قبل هذا البدء بدء . - بدء العالم حيث أعطى إريام الدفعة المادية التى شكلت العالم . - بدء الزمان بظهور الإنسان وحسابه للوقت ، لاحظ أننا لا نستطيع أن نجزم أن الإنسان ما أن ظهر بدأ باحتساب الزمن ، فالأرجح أنه لم يكن يملك الوعى الكافى للقيام بذلك ، عموما هذه الإشكالية سأناقشها بالتفصيل فى مقالة سأنشرها قريبا بعنوان "الإريامية والبدايات" . أما عن معنى البدء هنا فالأرجح أنه بدء وجود الكائنات التى تملك حد أدنى من الوعى/ العقل.
(2) كنت أفضل كلمة " نتخيل " لأنها أكثر دقة وتعبيرا عن الإبداع ، والإبداع مفهوم أساسى فى التقليد الإريامى ، ولكن الذهن العادى يعتقد أن التخيل أقرب إلى التوهم ، لذلك أعود لمصطلح التصور خاصة أنه قد استخدم فلسفيا أكثر من مرة .
(3) على الرغم من أننى أقول أنه "كان كائنا" إلا أننى لا أريد من القارئ أن يعتقد أن هذا كان ماضيا وانتهى ، هو كان ماضيا ولكنى لا أجزم انتهاءه ، والديانة الإريامية بصفة عامة لا تعترف بتماسك مفهوم الزمان .
(4) فى حديث لى مع رشدى أكثر الإرياميين المصريين أكاديمية ، قال لى إن أكثر من 70% من الديانة الإريامية غير محسومة ، وربما سيلاحظ القارئ أن كل الصفات التى تبدو سلبية فى الإريامية نحن لا نعتبرها كذلك ، لأننا نؤمن أن الأمور ليست كما تبدو لنا ، وعدم حسم جل الديانة الإريامية يكرس لها كديانة مفتوحة ، لا كنسق مغلق يسجن المؤمنين به.
(5) مرة أخرى لا أريد أن تتخذ الكلمة من منظور سلبى ، وإنما أصررت على استخدام كلمة "الإهمال" على أن تكون مقابلة لمفهوم " العناية الإلهية" فى الأديان الإبراهيمية " المسيحية بالتحديد".
(6) الصديق عماد هو الحالى .
-----------
لمزيد من المعلومات: